فوزي آل سيف

22

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

ودخل بينما انحنى الوزراء والأساقفة تحية للملك، وتقلصت قامة عمرو بن العاص وصاحبه، وبالغا في الإنحناء... لا يهم عند عمرو أي نوع تكون الوسيلة مادامت ستوصله إلى غايته، ويتبسم بخبث قائلاً لصاحبه: _ سنرى كيف تنحني هذه الرقاب غداً.. _ ألا تركعون لنبيكم؟! سأل النجاشي جعفرا والمسلمين. _ نحن لا نركع لغير الله وحده... أجاب جعفر. بقدر ما كان جعفر مطمئناً بنصر الله كان المسلمون السبعة والثمانون قلقين.. ذلك أنهم ما كادوا يتركون مكة مهاجرين ناجين بدينهم من فتنة قريش وببدنهم من إذاها، وما كادوا يتنفسون الصعداء في بلاد الحبشة حتى استنفرت قريش كل طاقتها لإعادة هؤلاء المهاجرين لكيلا تكون أمل المعذبين في مكة. ولذلك أرسلت قريش عمراً بن العاص داهيتها لإرجاعهم، ولم ينس هذا الأخير أن يحمل الهدايا الكثير والثمين ويوزعها على الوزراء والأساقفة ويحتفظ للملك بالهدية الكبرى.. لقد كان عمرو واثقاً أن رقاب المسلمين ستنحني غداً في القيد بعد أن تكون الهدايا قد آتت أُكُلها. وكانت قلوب المهاجرين من الضعفاء في رجل طائر، إذ كلما يمر في ذاكرتهم حديث المكاوي، والسياط، والتجويع والتعطيش يزداد وجيب قلوبهم، ويتفصد العرق في الوجوه كجمرٍ. لذلك كان الموقف حاسماً، كلمة تزيد أو أخرى تنقص، من الممكن أن ترسل هؤلاء المهاجرين إلى الهاوية القرشية... منهم من كان يفضل مجاملة النجاشي والأساقفة في دينهم حتى تمر الغمامة السوداء بسلام، غير أن جعفراً الذي كان شبيه الرسول ( خلقاً وأخلاقاًَ، لم يشأ أن يعالج الموقف بتلك الصورة، فقد ملأ اليقين قلبه بصدق الرسول وأن الله منجز له ما وعده، ومنذ ذلك اليوم الذي أمره أبوه أبو طالب بالإيمان بالنبي (، حين كان يصلي معه علي أخوه وخديجة، قائلاً: صل جناح ابن عمك.. منذ ذلك اليوم وهو يمتلئ إيماناً بأن الله سيظهر هذا الدين